ابن الجوزي
335
صيد الخاطر
مال ابن أبي داود ، وصبر أحمد . وكم بين الرجلين والذكرين . وانظر ما يروى عن كل واحد منهما وما يذكران به وسيندم ابن المديني إذا قال أحمد سلم ديني « 1 » . 294 - أكثر الناس على غير الجادة تأملت أحوال الناس فرأيت جمهورهم منسلا من ربقة العبودية ، فان تعبدوا فعادة أو فيما لا ينافي أغراضهم منافاة تؤذي القلوب . فأكثر السلاطين يحصلون الأموال من وجوه ردية وينفقونها في وجوه لا تصلح ، وكأنهم قد تملكوها وليست مال اللّه . إذا غزا أحدهم فغنم الأموال اصطفاها لنفسه ، وأعطاها أصحابه كيف اشتهى . والعلماء لقوة فقرهم وشدة شرههم ، يوافقون الامراء وينخرطون في سلكهم . والتجار على العقود الفاسدة . والعوام في المعاصي والاهمال لجانب الشريعة . فان فات بعض أغراضهم فربما قالوا : ما نريد نصلي . لا صلى اللّه عليهم . وقد منعوا الزكاة وتركوا الامر بالمعروف . فمن الناس من يغره تأخير العقوبة . ومنهم من كان يقطع بالعفو وأكثرهم متزلزل الايمان . فنسأل اللّه أن يميتنا مسلمين . 295 - العالم الفقير بين اللئام من العجيب سلامة دين ذي العيال إذا ضاق به الكسب . فما مثله الا كمثل الماء إذا ضرب في وجهه سكر « 2 » فإنه يعمل باطنا ويبالغ حتى يفتح فتحة . فكذلك صاحب العيال إذا ضاق به الامر لا يزال يحتال ، فإذا لم يقدر على الحلال ترخص في تناول الشبهات ، فان ضعف دينه مدّ يده إلى الحرام . فالمؤمن إذا علم ضعفه عن الكسب اجتهد في التعفف عن النكاح ، وتقليل النفقة إذا حصل الأولاد ، والقناعة باليسير . فأما من ليس له كسب كالعلماء والمتزهدين ، فسلامتهم ظريفة « 3 » ، إذ قد انقطعت مواد السلاطين ومراعاة العوام ، فإذا كثرت عائلتهم لم يؤمن عليهم شر ما يجري على الجهال . فمن قدر منهم على كسب بالنسخ وغيره فليجتهد فيه مع تقليل النفقة والقناعة باليسير ، فان من ترخص منهم اليوم أكل الحرام ، لأنه
--> ( 1 ) من جاءه شيء من هذا المال بلا طلب ولا استشراف نفس فليأخذه . هذا ما جاءت به السنة . ( 2 ) السكر : سد الماء . والكلمة مستعملة في الشام إلى اليوم . ( 3 ) أي عجيبة .